ابن بطوطة

224

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

مكسورة ، ثم سافرت منها إلى مدينة البهنسة « 165 » ، وهي مدينة كبيرة وبساتينها كثيرة ، وضبط اسمها بفتح الموحدة واسكان الهاء وفتح النون والسين ، وتصنع بهذه المدينة ثياب الصوف الجيدة . وممن لقيته بها قاضيها العالم شرف الدين ، وهو كريم النفس فاضل ، ولقيت بها الشيخ الصالح أبا بكر العجمي ، ونزلت عنده وأضافني ، ثم سافرت منها إلى مدينة منية ابن خصيب ، وهي مدينة كبيرة الساحة ، متسعة المساحة ، مبنية على شاطىء النّيل « 166 » ، وحقيق حقيق لها على بلاد الصعيد التفضيل ، بها المدارس والمشاهد والزوايا ، والمساجد ، وكانت في القديم منية لخصيب عامل مصر « 167 » . حكاية خصيب يذكر أن أحد الخلفاء من بني العباس رضي اللّه عنهم غضب على أهل مصر فآلى أن يولى عليهم أحقر عبيده وأصغرهم شأنا قاصدا لإرذالهم والتنكّل ، وكان خصيب أحقرهم إذ كان يتولى تسخين الحمام « 168 » ، فخلع عليه وأمّره على مصر ، وظنّه أنه يسير فيهم سيرة سوء ويقصدهم بالإذاية حسبما هو المعهود ممن ولى عن غير عهد بالعز ، فلما استقر خصيب بمصر سار في أهلها أحسن سيرة ، وشهر بالكرم والإيثار فكان أقارب الخلفاء وسواهم يقصدونه فيجزل العطاء لهم ويعودون إلى بغداد شاكرين لما أولاهم . وإن الخليفة افتقد بعض العبّاسيين وغاب عنه مدة ثم أتاه فسأله عن مغيبه ، فأخبره أنه قصد خصيبا ، وذكر له ما أعطاه خصيب ، وكان عطاء جزيلا ، فغضب الخليفة وأمر بسمل عيني خصيب وإخراجه من مصر إلى بغداد ، وأن يطرح في أسواقها ، فلما ورد الامر بالقبض

--> ( 165 ) البهنسة من مدن الفيوم ويتحدث ابن حوقل عن الستور والبسط والمضارب والفساطيط الكبار المستعملة بها وكذا الطّرف السلطانية ، ويقال : إنّها الرّبوة التي أوى إليها المسيح . ( 166 ) منية ابن خصيب هي بالذات المنيا الحالية التي ورد ذكرها كمدينة ذات أهمية من لدن الرحالة بن جبير . . . ثم من لدن كذلك ابن الوزّان في كتابه ( وصف إفريقيا ) ، تقع في منتصف الطريق بين بني سويف وبين أسيوط . . . انظر ابن دقماق . . . ( 167 ) الخصيب بن عبد الحميد المتحدث عنه ينتسب لأسرة فارسية ، كان محاسبا لمصر عام 187 - 803 في عهد هارون الرشيد . . . ( 168 ) كانت هذه المهنة بمصر من المهن الحقيرة ، ويذكر أنه عند فقدان الأخشاب والأعواد فإن على المسخّن أن يستعمل أرواث البقر لضمان سير الحمام . . .